في عالم المال والأعمال، لا تتحرك الأرقام بشكل عشوائي، بل تتبع لغة خاصة تسمى “نظام القيد المزدوج”. هذه اللغة تقوم على كلمتين هما حجر الأساس لكل إمبراطوريات التجارة: المدين و الدائن. في “مؤسسة التدفق الذكي”، سنكتشف أن فهمهما لا يحتاج لتعقيد أكاديمي، بل يحتاج فقط لفهم اتجاه “تدفق القيمة” ومن هو الطرف الذي سيطر عليها.
أولاً: قاعدة “الأخذ والعطاء” (جوهر العملية)
لكل عملية مالية طرفان، تماماً ككفتي الميزان، واحد يعطي والآخر يأخذ، ولا يمكن لعملية أن تتم بطرف واحد:
المدين : هو الطرف “الآخذ” للقيمة؛ أي الحساب الذي زادت قيمته أو دخل إليه المال أو سيطر على أصل جديد-
الدائن : هو الطرف “العاطي” للقيمة؛ أي الحساب الذي خرج منه المال أو كان سبباً في توفير القيمة للطرف الآخر-
ثانياً: طبيعة الحسابات (أين يسكن كل حساب؟)
أكبر خطأ يقع فيه المبتدئ هو محاولة حفظ كل عملية على حدة. السر يكمن في حفظ “الهوية” أو الطبيعة الأصلية لكل حساب عند الزيادة:
١. حسابات مدينة بطبيعتها: تشمل الأصول (الكاش، البنك، السيارات، المباني) والمصاريف (رواتب، إيجار). هذه الحسابات “تفرح” بالزيادة، فإذا زادت تظل مدينة، وإذا نقصت تصبح دائنة
٢. حسابات دائنة بطبيعتها: تشمل الالتزامات (الديون، القروض)، حقوق الملكية (رأس المال)، والإيرادات (المبيعات). هذه الحسابات تزيد عندما نجعلها دائنة، وتنقص عندما نجعلها مدينة
ثالثاً: قصة تسجيل العمليات في “مؤسسة التدفق الذكي” (تطبيق معمق)
لنغص أكثر في تفاصيل العمليات اليومية لنرى كيف تتدفق الأرقام:
١. تمويل المشروع (بداية الحلم)
الحدث: قرر صاحب المؤسسة البدء بمبلغ ٥٠,٠٠٠ ريال أودعها في حساب البنك الخاص بالشركة-
التحليل: حساب البنك (أصل) زاد، وحساب رأس المال (حقوق ملكية) زاد-
القيد: البنك “أخذ” المال فهو مدين، ورأس المال هو “المصدر” فهو دائن–
٢. شراء معدات بالدَّين (التوسع الحذر)
الحدث: اشترت المؤسسة أجهزة ومعدات بـ ١٠,٠٠٠ ريال من “شركة التوريدات” بالآجل (دفع مؤجل)-
التحليل: المعدات (أصل) زادت، وظهر التزام للموردين (دائنون) زاد أيضاً-
القيد: المعدات “أخذت” القيمة فهي مدينة، وشركة التوريدات “أعطت” المعدات فهي دائنة–
٣. تقديم خدمة وتحصيل الكاش (جني الثمار)
الحدث: قدمت المؤسسة خدمة استشارية ناجحة قبضت ثمنها ٧,٠٠٠ ريال كاش-
التحليل: الكاش (أصل) زاد، والإيرادات زادت-
القيد: الكاش “أخذ” المال فهو مدين، وحساب الإيرادات هو “السبب” في هذا المال فهو دائن–
رابعاً: لماذا يقدس المحاسبون التوازن بين المدين والدائن؟
١. التوازن الرقمي: في كل قيد محاسبي، يجب أن يتساوى مبلغ المدين مع الدائن بالهللة الواحدة؛ هذا يضمن أنك لم تنسَ تسجيل أي طرف من العملية-
٢. لغة الأنظمة: سواء كنت تعمل على أو نظام متطور مثل “أوبرا”، النظام لا يسألك “ماذا حدث؟” بل يسألك “من المدين ومن الدائن؟-
٣. كشف الاحتيال والأخطاء: عندما لا يتوازن ميزان المراجعة، يبدأ المحاسب برحلة البحث عن الطرف المفقود، مما يمنع التلاعب بالأرقام-
الخلاصة: كيف تصبح “أستاذ” في المدين والدائن؟
١. اسأل نفسك دائماً: “من هو الحساب الذي دخلت إليه المنفعة؟” هذا هو المدين بكل تأكيد-
٢. تذكر أن “الخصوم” و “رأس المال” و “الإيرادات” هي حسابات دائنة، لا تحب أن ترى نفسها في الجانب المدين إلا عند النقص أو الإغلاق-
٣. الممارسة هي المفتاح: المحاسبة ليست مادة للحفظ، بل هي مهارة ذهنية تتطور مع كثرة تسجيل العمليات-
الرسالة الأخيرة: المدين والدائن ليسا مجرد كلمات صعبة، بل هما المرآة التي تعكس حركة المال داخل مشروعك. بمجرد إتقانهما، ستتحول الأرقام في نظرك من ألغاز إلى قصص مفهومة وواضحة.
