إذا كانت مرحلة “البدء” هي التي تمنح المشروع حياته، فإن مرحلة التخطيط هي التي تمنحه عقله ومنطقه. التخطيط في إدارة المشاريع ليس مجرد قائمة مهام، بل هو عملية “محاكاة ذهنية” للمستقبل؛ حيث يحاول المدير وفريقه توقع كل خطوة، كل عقبة، وكل مورد مطلوب قبل أن يتم صرف قرش واحد في عملية التنفيذ
أولاً: الركائز الخمس للتخطيط الاحترافي
١. هيكل تقسيم العمل : هو العمود الفقري للتخطيط. بدلاً من التعامل مع المشروع ككتلة واحدة ضخمة (مثلاً: بناء فندق)، يتم تفكيكه إلى حزم عمل صغيرة. هذا التقسيم يسمح بتقدير التكاليف والوقت بدقة لكل جزء على حدة، ويمنع ضياع المهام الصغيرة بين التفاصيل الكبيرة.
٢. تحديد المسار الحرج : هذه الأداة تساعد المدير على معرفة أطول سلسلة من المهام المرتبطة التي يجب إكمالها في الوقت المحدد لضمان عدم تأخر المشروع ككل. أي تأخير في مهام “المسار الحرج” يعني تأخيراً حتمياً في موعد التسليم النهائي.
٣. مصفوفة تخصيص المسؤوليات : الغموض في المسؤوليات هو العدو الأول للتنفيذ. تستخدم هذه المصفوفة لتحديد من هو (المسؤول، المحاسب، المستشار، والمُبلّغ) لكل مهمة. هذا يضمن أن كل شخص يعرف دوره بدقة، ويمنع تداخل الصلاحيات.
٤. خطة إدارة الجودة: التخطيط لا يشمل الوقت والمال فقط، بل يشمل “المعايير”. هنا يتم تحديد ما الذي يعنيه “النجاح” وكيف سنقيس جودة المخرجات، لضمان أن المنتج النهائي سيلبي تطلعات العميل أو أصحاب المصلحة.
٥. تخطيط المشتريات والتعاقدات: في هذه المرحلة يتم اتخاذ قرارات “الصنع أو الشراء” ؛ هل سنقوم بتنفيذ كل شيء داخلياً أم سنحتاج لموردين خارجيين؟ وكيف سيتم اختيارهم والتعاقد معهم؟
ثانياً: لماذا يفشل التخطيط غالباً؟
السبب الرئيسي ليس نقص الأدوات، بل “التفاؤل المفرط”. يميل المخططون لتقدير الوقت بأقل مما يجب والتكاليف بأقل مما ينبغي. المدير المحترف هو من يضع “هوامش أمان” للوقت والميزانية لمواجهة الأحداث غير المتوقعة
مرحلة التخطيط هي “الاستثمار” الذي يدفع ثمنه المدير مقدماً ليوفر خسائر فادحة لاحقاً. الخطة ليست وثيقة جامدة، بل هي كائن حي يتنفس ويتغير مع معطيات الواقع، لكنها تظل المرجع الوحيد الذي يمنع المشروع من الغرق في فوضى التنفيذ العشوائي.
