تُعتبر قوة “التنافس بين المنافسين الحاليين” هي المحور الذي تدور حوله القوى الخمس لبورتر؛ فهي القوة التي تعبر عن الضغط المباشر واليومي الذي تواجهه الشركات من أقرانها في نفس الصناعة. في الأسواق ذات التنافسية الشرسة، تتحول المنافسة إلى “لعبة صفرية”، حيث أن أي مكاسب تحققها شركة معينة في حصتها السوقية تأتي بالضرورة كخسارة مباشرة لمنافسيها، مما يشعل فتيل حروب تجارية لا تنتهي.
أولاً: العوامل الجوهرية التي ترفع حرارة التنافس
١. تساوي القوى والهياكل: عندما يتواجد في السوق عدة منافسين يمتلكون موارد وقدرات متكافئة، لا يستطيع أي منهم فرض هيمنته بسهولة. هذا التوازن يؤدي إلى صراعات طويلة الأمد، حيث تحاول كل شركة الرد على تحركات الأخرى فوراً (مثل صراع كوكاكولا وبيبسي)
٢. دورة حياة الصناعة ونمو السوق: في الأسواق الناضجة التي وصلت لمرحلة التشبع وبطء النمو، يصبح التوسع العضوي مستحيلاً. هنا، لا تجد الشركات وسيلة للنمو إلا من خلال “الاستحواذ” على عملاء المنافسين، مما يجعل المنافسة عدوانية للغاية
٣. ارتفاع التكاليف الثابتة والتخزين: في صناعات مثل الطيران أو الفنادق أو التصنيع الثقيل، تكون التكاليف الثابتة ضخمة جداً. هذا يدفع الشركات لخفض الأسعار بشكل حاد لمجرد ملء السعة الإنتاجية أو الغرف، لأن خسارة بيع “مقعد” أو “غرفة” شاغرة تعني ضياع الفرصة تماماً، مما يشعل حروب الأسعار
٤. غياب التميز وسهولة التبديل: عندما تكون المنتجات “سلعية” لا فرق بينها في نظر العميل، تصبح المنافسة محصورة في “السعر” فقط. وإذا كان العميل يستطيع الانتقال للمنافس بضغطة زر دون تكلفة ، فإن الشركات تظل في حالة استنفار دائم
٥. عوائق الخروج المرتفعة: أحياناً تظل الشركات في السوق رغم خسارتها لأن تكلفة الخروج (مثل تصفية المصانع، أو دفع تعويضات للموظفين، أو الالتزامات الأخلاقية) أعلى من تكلفة الاستمرار. بقاء هذه الشركات “الجريحة” يزيد من حدة التنافس ويقلل هوامش الربح للجميع
ثانياً: استراتيجيات المواجهة (كيف تنجو المؤسسة؟)
لمواجهة هذه الضغوط، تلجأ الشركات لثلاثة مسارات كبرى:
استراتيجية التميز : خلق قيمة فريدة في المنتج (جودة، خدمة عملاء، تكنولوجيا) تجعل العميل مستعداً لدفع سعر أعلى ولا يفكر في البديل
قيادة التكلفة : الوصول لأقل تكلفة إنتاج ممكنة، مما يسمح للشركة بالبقاء رابحة حتى في ظل حروب الأسعار التي تقتل المنافسين
التركيز : اختيار شريحة ضيقة جداً في السوق وخدمتها ببراعة تفوق قدرة المنافسين الكبار المنشغلين بالصراع العام
ثالثاً: مثال تطبيقي شامل (قطاع النقل الجوي التجاري)
يعتبر قطاع الطيران من أوضح الأمثلة على شدة التنافس. نظراً لارتفاع التكاليف الثابتة (صيانة الطائرات، الوقود، أطقم العمل)، تضطر الشركات لخفض أسعار التذاكر بشكل حاد لملء المقاعد الشاغرة، لأن المقعد الذي يطير فارغاً يمثل خسارة لا يمكن تعويضها. وحيث أن الخدمة المقدمة (الوصول من النقطة أ إلى ب) متشابهة إلى حد كبير، فإن العملاء يميلون لاختيار السعر الأقل. هذا التنافس الشرس يجبر جميع العاملين في القطاع على الابتكار الدائم في الخدمات الإضافية أو تقليل التكاليف التشغيلية لأقصى حد للبقاء ضمن دائرة الربحية
إن شدة التنافس هي “المنخل” الذي يصفي الشركات الضعيفة من السوق. النجاح في بيئة تنافسية شرسة لا يتطلب فقط إدارة مالية جيدة، بل يتطلب “رؤية استراتيجية” قادرة على بناء خنادق دفاعية حول العلامة التجارية . الهدف النهائي ليس الفوز في حرب الأسعار، بل الخروج من تلك الحرب تماماً عبر تقديم قيمة لا يمكن للمنافسين الوصول إليها.
